حبيب الله الهاشمي الخوئي

162

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

قد قبض ، فأقبل النّساء والرّجال يهرعون أفواجا أفواجا وصاحوا صيحة عظيمة فارتجت الكوفة بأهلها ، وكثر البكاء والنّحيب وكثر الضّجيج بالكوفة وقبايلها ودورها وجميع أقطارها ، فكان ذلك كيوم مات فيه رسول اللَّه . فلما أظلم الليل تغيّر أفق السّماء وارتجّت الأرض وجميع من عليها بكوه وكنّا نسمع جلبة وتسبيحا في الهواء فعلمنا أنّها أصوات الملائكة ، فلم يزل كذلك إلى أن طلع الفجر ثمّ ارتفعت الأصوات وسمعنا هاتفا بصوت يسمعه الحاضرون ولا يرون شخصه يقول : بنفسي ومالي ثمّ أهلي واسرتى فداء لمن أضحى قتيل ابن ملجم علىّ رقا فوق الخلايق في الوغا فهدّت له أركان بيت المحرّم عليّ أمير المؤمنين ومن بكت لمقتله البطحاء وأكناف زمزم يكاد الصّفا والمشعرين كلاهما يهدّ أو بان النّقص في ماء زمزم وأصبحت الشّمس المنير ضياؤها لقتل عليّ لونها لون دهلم وظلّ له أفق السّماء كآبة كشقّة ثوب لونها لون عندم وناحت عليه الجنّ إذ فجعت به حنينا كثكلى نوحها يترّنم وأضحى التّقى والخير والحلم والنهى وبات العلي في قبره المتهدّم لفقد على خير من وطأ الحصى أخي العلم الهادي النبىّ المعظَّم قال محمّد بن الحنفية رضي اللَّه عنه ثمّ أخذنا في جهازه ليلا ، وكان الحسن عليه السّلام يغسله والحسين عليه السّلام يصبّ الماء عليه وكان لا يحتاج إلى من كان يقلَّبه بل يتقلَّب كما يريد الغاسل يمينا وشمالا ، وكانت رائحته أطيب من رائحة المسك والعنبر ، ثمّ نادى الحسن بأخته زينب وامّ كلثوم وقال : يا أختاه هلمّي بحنوط جدّي رسول اللَّه ، فبادرت زينب مسرعة حتّى أتته به . قال الرّاوي : فلما فتحته فاحت الدّار وجميع الكوفة وشوارعها لشدّة رائحة ذلك الطيب ، ثمّ لفوه بخمسة أثواب كما أمر عليه السّلام ثمّ وضعوه على السرير وتقدّم الحسن والحسين إلى السرير من مؤخره وإذا مقدّمه قد ارتفع ولا يرى حامله ، وكان حاملاه من مقدّمه جبرئيل وميكائيل فما مرّ بشيء على وجه الأرض إلَّا انحنى